المدونات النصية (الذخائر، المكانز، المتون)

يقوم علم اللسانيات على البحث عن الأنماط في اللغة، ويبني على ذلك نظرياته؛ فمثلا من تلك الأنماط: تكوين الجملة البسيطة من فعل واسم، أو استخدام تركيب الإضافة من اسمين، أو استخدام المتضادات في تراكيب معينة مثل العطف والمقارنة وغيرها. وحتى نحدد هذه الأنماط اللغوية بدقة، معتمدين على دليل واضح من اللغة المستخدمة في الواقع، نحتاج إلى كمية كبيرة من النصوص سواء المكتوبة أو الصوتية لتكوّن مخزوناً من النصوص تحفظ بطريقة رقمية، و يستخدم هذا المخزون للبحث عن كلمات معينة، أو أنماط تركيبية تتكرر كثيرا، وذلك باستخدام محركات بحث خاصة.

ومن أهم الأدوات المساعدة لدراسة اللغة عن طريق البحث في المخزون النصي ذاك هو ما يسمى في اللغة الإنجليزية بـ corpus linguistics (لن أتطرق هنا لسبب تسميتي له بالأداة) ولكن اللسانيون العرب لم يتفقوا على مسمى يقابل هذا المسمى الانجليزي، وأنا هنا أستعرض المصطلحات المتعددة المستخدمة لهذا الغرض لعل الباحث المبتدئ يجد فيه فائدة.

فمن اللسانين من يطلق عليه “مكنز” كما في مكنز قُمَر المتخصص بلغة أهل الخليج العربي (اطلعت عليه وبحثت فيه ثم أضعته، فمن يجد لي موقعهم أكون له شاكرة). وما يشكل في استخدام كلمة مكنز كمصطلح هنا هو أن مكنز تستخدم كمرادف لكلمة thesaurus وهو المعجم المتخصص كمعجم المترادفات مثلا أو معجم المواضيع المتخصصة كالفلكور أو مصطلحات علم ما. ومن أمثلة المكانز مكنز الطفولة ومكنز اليونسكو.

ومن المصطلحات المستخدمة أيضا مصطلح الذخائر النصية فمثلا جامعة الملك سعود في الرياض أطلقت مشروع الذخيرة النصية الفصحى لجامعة الملك سعود

و اخواننا في المغرب العربي أطلقوا على هذه المخازن اللغوية اسم المتون والعلم هو لسانيات المتون وهو في نظري لفظ ظريف خفيف ويؤدي المعنى.

إلا أن أغلبية المتخصصين في اللسانيات في المشرق العربي يسمون المخزون المكون من النصوص مدونة والعلم هو علم المدونات اللغوية. ومن أمثلة هذا الاستخدام كتابيّ الدكتور سلطان المجيول واللذان يعتبران من أول ما كتب في هذا المجال باللغة العربية (أحدهما مترجم). وأيضا المدونة اللغوية لمتعلمي اللغة العربية التي أنشأت بالتعاون بين جامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض وجامعة ليدز في بريطانيا.

وقد اعتمد الأستاذ الدكتور محمود صالح العَلَم في مجال اللسانيات هذه الترجمة أيضا وأسمى العلم: لسانيات المدونات اللغوية كما ورد في مدونته هنا.

ولا يخفى ما يحمله هذا المسمى من لبس؛ فإن كانت الcorpus مخزون النصوص مدونة، وال blog المقالات الدورية مثل ما تقرأه الآن أيضا مدونة؛ فهذا يعني أن العامل في هذا المجال سيضطر لاستخدام كلمة توضيحية ليبين أي مدونة يقصد. فأنا الآن أكتب مدونة عن المدونات لكني في الواقع أكتب blog عن corpora واستخدام المفردة الانجليزية لشرح العربية أمر مشين في نظري.

إذن ماذا نطلق على مخزون النصوص المكتوبة أو الصوتية المحفوظ بطريقة رقمية والذي يستخدم لدراسة اللسانيات وللترجمة ولتعليم اللغة؟ هل نسميه مكنز أم مدونة أم متن أم ذخيرة؟

من الصعب جداَ الاتفاق على كلمة معينة وفرضها على كل العاملين في هذا المجال ممن يتحدثون العربية. فأن مثلا تعجبني كلمة مكنز كمقابل ل corpus فهي تذكرني بالتمر الكنيز الذي يجمع معا بكميات كبيرة ويضغط معا حتى يحفظ ويستخدم لاحقاً، تماماً مثل النصوص التي تجمع وتحفظ معاً حتى تستخدم لاحقاً؛ لكن كلمة مكنز درج استخدامها كمقابل لكلمة thesaurus .

وتعجبني أيضا كلمة متون فاستخدام كلمة واحدة أفضل من استخدام تعبير مكون من كلمتين كالمدونات النصية.

والمدونة تبقى مدونة blog في نظري لأن المدون يدونها ليعرضها واحدة تلو الأخرى على القراء ويدعوهم للمشاركة بآراءهم تماماً كالدواوين التي يجتمع فيها الناس ليتبادلوا القصص ويتناقشوا في مواضيع مشتركة.

وهاأنا في مدونتي أعرض عليكم رأيي وأدعوكم لإبداء آراءكم ليس من أجل الاتيان بمفردة جديدة ولا لفرض مفردة واحدة فأنا أدرك صعوبة ذلك، ولكن سرد المصطلحات المتعددة يساعد المتخصصين في ايجاد ما يبحثون عنه في فضاء الانترنت الواسع.

Leave a comment