قوافل الحافلات الخارجة من المدرسة المتوسطة انطلقت معا في تمام الساعة الواحدة ظهراً. كانت وضحى كعادتها جالسة على أول كرسي في أحد هذه الحافلات.
يومياً تجلس وضحى على نفس الكرسي، تنظر لطالبات المتوسط وهن ينزلن لبيوتهن واحدة تلو الأخرى؛ تحاول أن تتخيل كيف ستكون هي عندما تكون في عمرهن. “بعد سنوات سأكون أنا واحدة مثلهن، أحمل شنطة كبيرة وألبس عباءة سوداء، عندما أكبر سأكون فتاة ذكية مثلهن أتكلم عن الرياضيات والعلوم وأكتب بسرعة كما يكتبن هن على كرسي الحافلة وهو يهتز ويرتفع وينخفض من مطبات الشارع.”
“عندما أكون في المتوسط سأحمل أعمالاً فنية مثلهن سأعمل برجاً طويلاً من أعواد الكبريت وألونه بلوني المفضل، سأجعله ذهبياً بخطوط سوداء وسيعجب كل صديقاتي، وسيكون لدي صديقات كثيرات نتكلم في كل المواضيع التي أسمع البنات الكبيرات يتكلمن عنها. ستشتري لي أمي شنطة كبيرة بدون رسمات عليها.”
غطت وضحى شنطتها المليئة بنقوش على شكل قطط ملونة فبعضها برتقالي وبعضها أبيض وبعضها أسود؛ وكانت القطط على خلفية وردية. غطت وضحى شنطتها ببشت أبيها سائق الحافلة حتى لا تراها البنات الكبيرات وهن يخرجن من الحافلة.
“ستشتري لي أمي أيضاً عباءة لأني سأكون كبيرة وأنا في المتوسط. ولكن كيف سيكون شعري عندما أكبر؟ أنا متأكدة أن أمي لن تسمح لي أن أقصه. لا يهم سأقول لأبي هو لن يرفض.”
نظرت وضحى لأبيها نظرة حب وحنان وكان هو يقود الحافلة مركزاً في الطريق أمامه يقترب من حافة الطريق أحياناً حتى يكون باب الحافلة مقابلاً تماما لباب بيت الطالبة التي ستنزل ينتظر حتى تدخل البيت صم ينطلق للبيت التالي، وهكذا حتى يوصل كل الطالبات لبيوتهن في نفس الترتيب كل يوم. ويومياً عندما يتبقى فقط توصيل آخر بنت إلى بيتها، تقترب منها وضحى وتكلمها. كانت وضحى لا تجروء أن تكلم البنات وهن معاً لأنها تستحي منهن لكنها تعرف أن آخر بنت بنت طيبة وهادئة لأنها في يوم من الأيام أعطتها قطعة شوكولاتة؛ فصارت وضحى تكلمها يومياً؛ تسألها عن المدرسة المتوسطة والمعلمات والمقصف، وكانت البنت الأخيرة تخبرها عن كل شيء. لكن في ذلك اليوم لم ترد البنت الأخيرة التحدث مع وضحى. فعندما اقتربت منها وضحى أدارت وجهها لتنظر من النافذة.
وعندما جلست وضحى بجانبها لم تلتفت إليها. لكن وضحى قالت: “عندما أكبر سأقص شعري وستشتري لي أمي شنظة كبيرة بدون نقوش.”
لم تجب البنت الأخيرة وظلت تحدق من النافذة. احتارت وضحى ولم تعرف ما تقول، فكرت وفكرت، “البنت الأخيرة حزينة، وأنا لا أعرف ما بها، تكلمي معي، قولي شيئاً. يا الله يجب أن أقول أنا شيئاً، هي طيبة وتعطيني شوكولاتة، وتتكلم معي دائماً، لماذا لا ترد علي الآن.”
اقترب بيت البنت الأخيرة فأخذت شنطتها من الأرض، وعدلت عبائتها استعداداً للنزول؛ فرأت وضحى دمعة في عينها.
“هي حزينة لقد عرفت أنها حزينة، يجب أن أقول شيئاً قبل أن تنزل، لكن ماذا أقول؟“
وعندما توقفت الحافلة أمام بيت البنت الأخيرة، وقفت وضحى أمامها وقالت لها: “أنا أحبك” وعانقتها.
أبعدتها البنت الأخيرة وقالت لها وهي تبكي: “أنا بعد أحبك، لكن لازم أنزل“، وأخذت شنطتها ونزلت بسرعة.
لاحظت وضحى أن شنطتها مليئة بالنقوش على شكل قطط ملونة على خلفية وردية.