تحدثت في مدونتي السابقة عن اللون الأخضر، وذكرت أن والداي رحمهما الله كانا يطلقان كلمة أخضر على الشخص شديد السمار؛ كنت أستغرب استخدامهما هذا لكني وجدته في لسان العرب، مما يعني أن العرب في وسط الجزيرة العربية استخدموا الأخضر للأسمر من وقت كتابة ابن منظور للسان العرب (أو بالأحرى من وقت كتابة اﻷزهري والجوهري وابن الأثير وابن بري وابن سيده لكتبهم التي استقى منها ابن منظور كتابه) حتى وقت أمي وأبي، لكننا الآن لا نسمع هذا الاستخدام، مما جعلني أتعجب من التغير الذي طرأ على لغتنا مع بداية التعليم والتطور!
من الألوان التي تشابه (وإن لم يتطابق) استخدام أمي وأبي لها مع استخدامها في المعاجم المتقدمة أيضاً قولهم أدغم بدل البني؛ مع أن البني دخل للعربية مع دخول البن ومعرفتهم له واستخدامهم اياه لصنع القهوة، لكن وسط الجزيرة العربية ظلوا على استخدامهم القديم، فلم يستخدموا كلمة بني.
دعونا ننظر في لسان العرب يقول ابن منظور: الأدغم الأسود الأنف، وجمعه الدغمان. والدغمة والدغم من ألوان الخيل: أن يضرب وحهه وجحافله إلى السواد مخالفاً للون سائر جسده. انتهى
وكما نرى في كلام ابن منظور فإن هناك فرق كبير بين الأدغم والأخضر، فاستخدام الأخضر للسمرة استمر كما هو مع مرور الوقت لكن بالنسبة لكلمة الأدغم فالمعنى تغير قليلا عبر الزمن فاكتسبت الكلمة معنىً أوسع من معناها الأصلي؛ فقد كانت تعنى رقعة أغمق من لون سائر الجسد وأصبحت تعني لونا غامقا دون مقارنة من لون آخر.
الناظر في مسألة الألوان يجد أن الكلمات المستخدمة لها تتزايد مع مرور الوقت؛ فآباؤنا استخدموا الأخضر والأزرق للتعبير عن ألوان نسميها نحن اليوم أزرق، سماوي، نيلي، بنفسجي، أخضر، عشبي، تفاحي، كموني. والآن لا يسعني إلا أن أتسائل عن الكلمات اللي يستخدمها أبناؤنا وهل سيحتاجون للتفريق بين درجات لم نستحدث لها اسما بعد؟