البس شوزاتك

اللغة كائن حي لا يتوقف عن النمو أبداً، فالكثير من الكلمات تستحدث أو يتغير معناها مع الوقت تبعاً لظروف كثيرة، فمثلاً المخترعات الجديدة تتطلب أسماء جديدة كالجوال مثلاً؛ ومن الملاحظ تغير أسماء بعض الأشياء من حولنا فالشارع عرف بعد استخدام الزفت لتعبيد الطرق وأصبح غير المعبد منه يدعى جادة حتى نفرق بينهما ولنعرف ما سنتوقع عندما يصف لنا شخص ما كيفية الوصول لفيضة من الفياض فإن قال امسك الشارع الفلاني أتخيل طريقًا ازفلتيًا، وإن قال تجيك جادة على اليمين ادخل معها، أتخيل طريقًا معبدُا لكنه غير ازفلتي، أما إن ذهبت هناك ووجدت أن الأول كان طريقًا رمليًا والثاني طريقًا ازفلتيًا، فقد أفقد الثقة بالوصف كله؛ وهذا يثبت لنا وجود روابط بين الكلمات ومعانيها في عقول المتحدثين باللغة، فكلنا نربط بين كلمة جادة وشكل الجادة، لكننا أيضا نربط بين الكلمة والشعور الذي يعطينا إياه معناها، فكلمة بطناج مثلا تذكرنا بالهزيز الذي قد يؤدي إلى الصداع والغثيان.

الشعور الذي تعطينا إياه الكلمة قد يكون مبنيا على تجارب خاصة سابقة، وقد يكون شعورا اجتماعيا يتفق عليه المجتمع،فقد توسم الكلمة باتفاق المجتمع بوسم “كلمة بذيئة” أو وسم “كلمة مؤذية”؛ فالكلمات البذيئة منبوذة اجتماعيًا فلا نقبل سماعها ونعلم أولادنا تجنبها، والكلمات المؤذية غير البذيئة نتجنبها احتراما لمن حولنا، وأذكر هنا على سبيل المثال جملة سمعتها من صديقة عزيزة: (أنا عادي عندي البعرصي بس هذاك الصغير ما أطيقة ومستحيل أصير في مكان هو فيه) تقصد هنا الصرصور، فقد تجنبت ذكره حتى لا تؤذي أسماعنا؛ فإذا الكلمات تتغير وقد تحمل معنى مؤذيا يحمل أفراد المجتمع على تجنب الكلمة تمامًا أو قد يحاول الشخص التخفيف من وقعها عند الإضطرار لذكرها.

أذكر حين كنا نسمي البعوض: بق، والروج: حمرة، وكريم الأساس: بيوض، لكن هذه الكلمات وسمت اجتماعيًا وسومًا جعلتني، وغيري، نتركها بلا رجعه، فقد أصبحت تحمل طابعًا دونيًا لا يقبله ذوو المكانة الإجتماعية العالية : )

من هذه الكلمات التي يتركها الكثير من أفراد المجتمع من حولي كل ما يدل على الحذاء (أعزكم الله)؛ أذكر عندما كنت صغيرة (ولم يكن ذلك بعيدًا جدًا!) كنا نستخدم كلمة كنادر للحذاء المغلق وكلمة نعال للحذاء المفتوح.

وفي المرحلة الإبتدائية سمعت كلمة جديدة من زميلاتي (جزمة) كانت هذه الكلمة ذات معنًا آخر عندي فصاحب الجزمة هو من يجزم على عمل شيء فهو جزوم، لكن هذه الكلمة كانت تحمل شيءًا آخر، كانت تحمل “برستيج”؛ وفجأة أصبحت كنادر كلمة قديمة لا يستخدمها إلا القرويين، وكذلك كلمة نعال استبدلت بكلمة شحاطة؛ وصرت أسمع من كان يقول كنادر أصبح فجأة يقول جزمة؛ ولأني عنيدة يابسة الرأس في صغري، فقد كنت أرفض استخدام كلمة جزمة أو شحاطة، واستمريت باستخدام كنادر ونعال (وفي الحقيقة أنا أستخدمهما حتى الآن، ستقولون: إذن ما زلت عنيدة يابسة الرأس!)؛ فقد كنت أكره تلك الكلمة جدا (جزمة) لا أرى فيها أي رابط يربطها بالحذاء (لا يوجد أي رابط بين كنادر أو حذاء والشيء الذي نلبسه في أقدامنا لنحميها من الأرض أيضا لكن ما تقولون؟ عنيدة، يابسة الرأس) فرفضت استخدامها حتى لا يتحول هذا الشعور إلى حقيقة، وبالطبع هو حقيقة لكن ردة الفعل هذه طبيعية وسأترك الحديث عن ردة فعل الناس تجاه تغير الكلمات لوقت آخر.

وكبرت وكثر الناس من حولي الذين يتركون كلمة كنادر ويستبدلونها بجزمة حتى يرتقوا في السلم الإجتماعي، حتى أصبحت لا أكاد أسمع كلمة كنادر إلا في بيتي وبين أولادي؛ الكل يستخدم كلمة جزمة ويتبعها بعبارة أكرمكم الله أو أعزكم الله أو وأنتم بكرامة، فنحن في مجتمعنا نستقبح ذكر كل ما هو مهين في المجالس المحترمة فنتبع هذه العبارات عند اضطرارنا لذكر الحذاء، أو الحمار، أو الكلب، أعزكم الله يا قرائي المحترمين؛ فكما قلت لكم آنفًا متحدثي اللغة يحاولون التخفيف من وقع الكلمات المؤذية حين يضطرون لاستخدامها.

وفي السنوات الأخيرة، لاحظت أن كلمة جزمة بدأت بالتلاشي أيضًا، الكلمة التي كانت رمزًا للرقي والحضارة أصبحت منبوذة، لا تحزني يا كلمتي البغيضة فمن سره زمن ساءته أزمان.

الآن أصبح الكثير من الناس يستخدمون الكلمة الإنجليزية شوز ؛ وكلمة شوز بالمناسبة جمع والمفرد منها شو؛ لكنهم حين يستخدمونها فإنهم لا يتبعونها بأي عبارة تدعو للسامع بالتكريم والعزة، فكلمة شوز لا تحمل معها المعنى المنبوذ إجتماعيا، فهي لم ترتبط في عقولهم بأي رابط سيء فإذا قلت شوز كأنني قلت قميص أو بكلة أو طاولة (كلمة طاولة لها تطورات شبيهة بكلمة كنادر قد أفرد لها مدونة خاصة يوما ما).

الآن أسمع الأمهات ينادين أبنائهن البس شوزاتك يا فلان نبي نمشي، نعم فكلمة شوز الإنجليزية تتصرف الآن بالتصريف العربي، تجمع جمع المؤنث السالم شوزات، ويضاف لها ضمائر الوصل: شوزاتك، شوزاتي، فقد أخذوا الجمع الإنجليزي وأضافوا له الجمع العربي أيضًا، ألم أقل لكم أن الكلمة لا تحمل أي رابط في عقولهم؛ فهي ليست شوات (جمع عربي فقط)، ولا شوز (جمع انجليزي فقط)، بل شوزات (جمع انجليزي متبوع بجمع عربي).

والناس يشعرون أنهم باستخدامهم لهذه الكلمة قد ارتقوا اجتماعيًا، وفي نفس الوقت حرروا أنفسهم من الثقل الإجتماعي الذي يلزمهم بالدعاء للسامع بالتكريم والعزة.

Leave a comment