يا حبيبة اللولو

لو سئلت السؤال التالي بماذا ستجيب؟

لماذا تستخدم اللغة؟ أو ما أهم وظيفة للغة في نظرك؟

فكر، ما هي الوظيفة الأساسية للغة؟

أغلب الناس يتبادر إلى أذهانهم أن الوظيفة الأساسية للغة هي نقل المعلومات وهذا صحيح إلى حد ما. اللغة تنقل المعلومات من أناس إلى آخرين ومن جيل إلى آخر، لكن ما تفعله اللغة أكبر من ذلك بكثير، أو لنقل أن ما نفعله نحن باللغة أكبر من ذلك بكثير.

عندما نتكلم عن اللغة فنحن نتكلم عن نظام مكون من عدة طبقات، من هذه الطبقات: طبقة المعنى وطبقة الأصوات، وبالطبع فإن طبقة المعنى هي المرتبطة بالمعلومات فنقل المعلومات من شخص أو مكان أو زمن إلى آخر هو في الواقع نقل لمعان محددة؛ كما أن نقل المشاعر والأحاسيس أو الأفكار والآراء كله يكون باستخدام المعاني.

لكن الطبقة الأخرى – وهي طبقة الأصوات – لها أهمية خاصة بها فنحن في الأساس نستخدم الأصوات لنقل المعنى، ولكن قد يكون الصوت معنياً بحد ذاته بغض النظر عن المعنى الذي يحمله هذا الصوت.

يتجلى لنا هذا عندما ننظر للأهازيج التي يرددها العمال عند العمل، هل تذكرون (هيلا هوب، هيلا هوب)؟ هذه الكلمات الرتيبة لا معنى لها لكن رتابتها ونغمها المتكرر يساعد في ضبط وتيرة نقل الأثقال من شخص لآخر؛ أذكر أن والدي رحمه الله أخبرني أن الفلاحين عند ختم الأرض (أي تقليب التربة لتهيئتها للبذور) كانوا يرددون أهازيج لا يهم معناها لكنها تضبط لهم حركتهم وتساعدهم على انجاز عملهم الرتيب بنفس عالية، فالعمل الرتيب قد يجلب الملل والأهازيج تطرد الملل وهناك من يقول أنها تخفف التعب كذلك، ومما قاله لي أبي أيضا أن أهازيج أهل القصيم تختلف عن أهازيج أهل الرياض، وأن فلاحين من أهل القصيم أتوا للرياض طلبا للرزق فاجتمعت حولهم النساء ليستمعن لأهازيجهم الغريبة بالنسبه لهن، جالبات معهن التمر والقرص وبعض الأكل تشجيعا لهم.

وقد تظهر أهمية الصوت دون المعنى جلية في الشعر والغناء لكن أستسمحكم عذرا فأنا لا أريد أن أتطرق لهذا هنا، ما أريد الكلام عنه في الحقيقة، وهو ما اخترت عنوان هذا المقال من أجله، هو ألعاب الأطفال وما يرددونه أثناء اللعب من أهازيج متناغمة لا تحمل معنا مهما، وأحيانا لا تحمل أي معنى على الإطلاق.

فمثلا عند نط الحبل كنا نكرر:

شبرا أمرا شمس نجوم

كواكب هوا كلعب الدوا

هذه الكلمات لا تعني شيئا أبدا، لكن النغم المتكرر فيها يساعد في التحكم باللعبة؛ فلعبة نط الحبل يمكن أن تتم بشكل كامل لا نقص فيه حتى وإن كان الأطفال صامتون أثنائها، لكن الأصوات المتتابعة والتعاقب المنتظم للكلمات يوفران ايقاعا متوازنا تضبط عليه البنات تلويحهن بالحبل ونطهن عليه، وقد ذكر ديفد كريستال مثالا مشابها من اللغة الإنجليزية في موسوعته الشهيرة عن اللغة، يذكر فيه الكلمات التي ترددها البنات الانجليزيات عند نط الحبل؛ وهذا يبين كيف أن استخدامات اللغة هي نفسها مهما اختلفت اللغة التي نتحدثها.

ومن الجانب الآخر، هناك ألعاب لا يمكن أن تتم دون هذه الكلمات الإيقاعية مثل لعبة حدارجا بدارجا.

تلعب هذه اللعبة كما يلي:

يضع الأطفال أيديهم على الأرض ويقوم أحدهم بالعد على أيديهم قائلا:

حدارجا بدارجا، يا حبيبة اللولو، تلالا، كف ذي، والا ذي، تبي ذي، والا ذي.

ثم يتوقف على اليد التي وصل إليها قائلا: تبي خريص والا بقيق.

فإن اختار خريص قرصه على أعلى كفه، وإن اختار بقيق ضربه بجمع يده (فهما خياران أحلاهما مر).

وتستمر اللعبة إلى أن تنتهي بفوز من تكون يده أشد حرارة من أيدي البقية.

ما يهمنا هنا هو توظيف اللغة في اللعبة، فمقدمة اللعبة تتحدث عن حبة لولو تتلألأ، يصفها الأطفال بأنها (حدارجا بدارجا) فدعونا نحلل هاتان الكلمتان تحليلا لغويا يوصلنا لمعناهما ولنرى من خلاله كيف يتلاعب الأطفال بطبقة الأصوات من اللغة.

يذكر قاموس لسان العرب أن الشيء الأملس الصغير يقال له حدارج:

الحُدْرُج والحُدْروج والمُحَدْرَج، كله: الأَمْلَس؛ والمُحَدْرَج: المفتول.

وبعد أن أورد أبياتا تصف السياط المفتولة بالمحدرجة، أورد أبياتا أخرى تبين المعنى الأصلي لهذه الكلمات ألا وهو الأملس، وهذه الأبيات هي من قصيدة لهيمان بن قحافة يصف فيها ابلا ترعى في الصمان تجدون القصيدة في الرابط التالي:

https://www.aldiwan.net/poem117010.html

ما يهمنا منها الشطر الذي يذكر فيه كلمة حدارج وهو:

عجومها وحشوها الحدارجا

يقصد هنا أن دواخل هذه الفاكهة التي ترعاها الإبل مستديرة ملساء، وهكذا يتبين لنا أن حبة اللؤلؤ في اللعبة وصفت بكونها مستديرة ملساء أيضا.

أما كلمة بدارج فلا أجدها في لسان العرب ولا غيره، وهذا مفهوم، لأن من الوظائف الصوتية للغة هو إيجاد النغم بغض النظر عن المعنى فالأطفال يستفيدون من النغم اللغوي ويوظفونه في ألعابهم لايجاد ايقاع متكامل يضبط لهم ألعابهم؛ ومن طرق ايجاد هذا النغم اختراع كلمات مشابهة لكلمات أخرى من حيث الوزن والقافية، مثل قولنا سكتم بكتم، أو حيسي ديسي؛ فالكلمة الثانية من هذه العبارات لا معنى لها فهي تحمل طبقة صوتية مشابهة للكلمة الأولى من حيث الوزن والقافية.

إذن كلمة بدارجا أضيفت من أجل طبقتها الصوتية فقط فهي كلمة بلا معنى، فقط استبدلوا حرف الحاء بحرف الباء حتى يضيفوا نغما للعبتهم؛ وإذا رجعنا لموسوعة اللغة لكريستال التي ذكرتها سابقا، نجده يقول فيها أن ألعاب الأطفال تشكل مثالا جيدا لتوظيف الصوت دون المعنى، حيث يكون الاستخدام الظاهر للغة فيها هو التأثير الذي تحدثه الأصوات على المتحدث أو السامع.

وهكذا إذا نظرنا لمعنى الجزء الأول من الأهزوجة فهو يعني:

كم أنت صغيرة وملساء أيتها اللؤلؤة المتلألأة.

ولكن هذه الجملة لا تحمل الإيقاع المتناغم الذي يؤهلها لأن تكون جزءا من ألعاب الأطفال مثل حدارجا بدارجا يا حبيبة اللولو تلالا.