علامات الترقيم = تتغير

لا شك أن اللغة تتغير وهذا يظهر لنا جليا في الكلمات الجديدة التي نستخدمها والكلمات القديمة التي كان أهلنا يستخدمونها ولم تعد تتداول الآن، لكن يبدو أن تغير اللغة لا يقتصر على ذلك، فقد لاحظت تطورا جديدا لم أعهده من قبل.

مؤخرا لاحظت استخدام علامة يساوي( =) بين المبتدأ والخبر في كتابات المثقفين والدعاة سواء في مواقع التواصل الاجتماعي أو حتى في كتبهم. دعوني أشرح لكم.

تتميز اللغة العربية بطول الجملة والتي قد لا يحدها حدود واضحة لأولها وآخرها كما هو موجود في لغات أخرى كالإنجليزية على سبيل المثال؛ ففي اللغة الإنجليزية تبدأ الجملة بحرف كبير وتنتهي بنقطة، أما في اللغة العربية فما عندنا حروف كبيرة ولا يشترط عندنا إنهاء الجملة بنقطة؛ فنرى في بعض الأحيان الفقرة الواحدة مملوءة بفواصل وفواصل منقوطة ولا ترى نقطة إلا في نهاية الفقرة. (لاحظ هذه الفقرة التي قرأتها للتو على سبيل المثال.)

دعوني أستطرد قليلا؛ اختلاف قواعد علامات الترقيم من لغة لأخرى وعدم وجود الأحرف الكبيرة من أسباب صعوبة تعامل الآلة مع اللغة العربية، فمن السهل أن تحدد للحاسوب مبدأ الجملة ونهايتها في اللغة الإنجليزية، ومن السهل أيضا تحديد عدد الجمل فعدد النقاط هو نفسه عدد الجمل؛ أما في العربية فتحديد عدد الجمل قد يكون صعبا على الآلة، هذا طبعا من الصعوبات الأولى التي مر بها المبرمجون وقد يكونوا تجاوزوها بنسبة جيدة الآن.

لنعد لموضوعنا، أقول أننا نقبل أن تكون الجمل في اللغة العربية طويلة نسبيا؛لكن هذا لا يعني أنه لا يمكن أن تكون الجمل طويلة في اللغات الأخرى؛ فمن خواص اللغة ولا أحدد هنا لغة بذاتها وإنما اللغة عامة، من خواصها التكرار؛ فالجملة يمكن أن تطول وتطول بإضافة المزيد من النعوت والمعطوفات والجمل الموصولة لكن تركيب الجملة من حيث الإسناد يبقى كما هو؛ مما يؤدي إلى طول الجملة وهذا الطول قد يسبب بعد المبتدأ عن الخبر أو لنقل المسند عن المسند إليه؛ خذ هذا المثال: جملة الكتاب مفيد مكونة من كلمتين فقط: مبتدأ وخبر. في هذه الجملة أنا أتكلم عن الكتاب هو محور الحديث هنا، وحتى تكون جملتي مفيدة أحتاج إلى أن أسند إلى هذه الكلمة كلمة أخرى تبين ما به هذا الكتاب فأنا لا أستطيع أن أقول الكتاب وأسكت هكذا حتى يكون لكلامي معنى؛ في هذه الحال أنا أسندت إلى كلمة الكتاب كلمة مفيد فهذه هي المسند لتكون الجملة: الكتاب مفيد.

دعونا الآن نفعِّل خاصية التكرار في اللغة ونزيد في كلمات الجملة السابقة مع الإبقاء على نفس المبتدأ والخبر أو المسند والمسند إليه:

في الجملة الثانية ما زالت كلمة الكتاب هي المبتدأ أو المسند إليه أما المسند فقد عطفنا عليه غزير في معانيه فأصبح أطول قليلا؛ والآن لنزيد في المسند إليه:

في الجملة السابقة أضفت شبه جملة صلة موصول الذي أخبرتك عنه أمس فطال المسند إليه قليلا؛ دعونا الآن نطيله أكثر:

انظروا إلى المبتدأ في الجملة الأخيرة، لقد كان طويلا جدا لدرجة أن القارئ قد ينسى بداية الجملة أو ينسى ما الذي نتحدث عنه في الأصل، وإن طلبت من أحد الطلاب إعراب الجملة السابقة قد يصعب عليه تحديد الخبر؛ ولا يحدث هذا النسيان للقارئ فقط، بل حتى الكاتب؛ فقد اشتهر عن كاتب في أحد الصحف في فترة التسعينات أنه كان يكتب جملا ناقصة، مبتدأ دون خبر، فتخيل مثلا الجملة السابقة مكونة من المسند إليه دون المسند، أي دون أن يسند إلى مبتدأها خبرا يوضح ما به ذاك الكتاب. هذه المشكلة في الكتابة تواجه الكثير من متعلمي اللغة، ففي تعليمي للغة الإنجليزية واجهت هذه المشكلة عند الكثير من الطالبات، مبتدأ دون خبر ومسند معلق لا يستند إلى شيء.

والآن ألا تلاحظون أنني أستخدم كلمة مسند ومسند إليه بدل المبتدأ والخبر؟ في الحقيقة المبتدأ والخبر يشكلان نوعا واحدا من أنواع المسند والمسند إليه، وأنا تعمدت الخلط بين المصطلحين لتوضيح المقصود بالمسند والمسند إليه فإذا عرفت أن المبتدأ والخبر هما جزءان رئيسان للجملة الاسمية، سهل عليك أن تعرف أن أي جزأين للجملة هما في الحقيقة مسند ومسند إليه، وبالمثال يتضح المقال:

من الجمل السابقة يتضح لنا أن المسند والمسند إليه ليسا مبتدأ وخبرا دائما، وإنما لهما أنواع مختلفة؛ لا داع للتوسع في أنواع المسند والمسند إليه، لكن الغرض من ذكرهما هنا هو أن الجملة غالبا ما تتكون من جزأين: المسند إليه وهو ما نتكلم عنه، والمسند وهو المعلومة التي نذكرها عن المسند إليه.

لنعود الآن للظاهرة الجديدة التي لاحظتها: استخدام علامة يساوي كعلامة من علامات الترقيم لربط المسند بالمسند إليه؛ ففي الحقيقة، الشرح المختصر السابق للمسند والمسند إليه ما هو إلا مقدمة لتوضيح مكان علامة يساوي في المنشورات التي أتيت عليها. أنا لا أعلم متى بدأت هذه الظاهرة ومن بدأها، وأود أن أعرف ذلك كثيرا؛ لكني أرى أن الهدف منها هو التوضيح للقارئ، وتخفيف مجهود القراءة عليه. أقدم لكم أمثلة من استخدام علامة يساوي بهذه الطريقة الجديدة:

يتبين من الصور أعلاه استخدام علامة يساوي لقسم الجملة لقسمين أحدهما المسند والآخر المسند إليه. دعوني أريكم أمثلة أكثر:

ومن العجيب أن من يستخدمون هذه العلامة لا يستخدمونها في كلامهم هم فقط، وإنما يضيفونها لكلام غيرهم عند نقلهم له أيضا، انظروا للصور التالية، ففي الأولى نقل لكلام الألوسي مع إضافة العلامة بين جزئي الجملة، وفي الثانية إضافتها لكلام ابن القيم (رحمهما الله):

كما رأيتم في الأمثلة السابقة، علامة = تستخدم للفصل بين المسند والمسند إليه في الجمل الطويلة لتخفيف عبء القراءة على المتلقي؛ لا أخفيكم أنني لم أتلقاها بصدر رحب، فأنا عموما لا أحب التغيير، لكن يبدو لي أن هذا الاستخدام الجديد جاء ليبقى؛ ولهذا فأنا أرى أنه يجب أن يحد ويقعد كما يحد ويقعد أي محدث جديد؛ فكما أن هناك قواعد لاستخدام النقط والفواصل وعلامات الترقيم الأخرى، يجب أن نضع قواعد لاستخدام هذه العلامة حتى لا تؤدي لأي سوء فهم؛ من هذه القواعد، أقترح أن يمنع استخدامها عند نقل الكاتب لكلام غيره، حتى لا يتهم بأنه يوجه القارئ لفهم الكلام كما فهمه هو (إلا إن كان هذا هو الهدف بالفعل).

القاعدة الثانية هي أن لا تستخدم إلا مرة واحدة في الجملة الواحدة حتى لا تؤدي لضد هدفها، دعونا نرى مثالا لاستخدامها المتكرر وكيف أنه قد يؤدي لإرباك القارئ:

نرى في المثال السابق أن الكاتب استخدم علامة يساوي مرتين في الجملة الواحدة ونحن نعلم أن هذه العلامة تحد حدين فقط، فاستخدامها مرتين يحدد ثلاث حدود؛ وإذا نظرنا للجملة بإمعان نجد أن هذه الثلاثة حدود ليست على مستوى واحد، ولأبين لكم ذلك دعوني أستخدم الأقواس كما هو مستخدم في الرياضيات حتى أبين لكم ما أعنيه:

{(التعامل مع …) = (بأنها …)} = (هو …)

وهذا مما يزيد من تعقيد الجملة وهو عكس الغرض من استخدام هذه العلامة؛ وهذا ما دعاني لاقتراح وضع قاعدة عدم استخدام العلامة في الجملة الواحدة أكثر من مرة واحدة فقط.

والآن بعد استعراض هذه الأمثلة الكثيرة بأنواعها، واستعراض الهدف منها، واقتراح قواعد لها؛ يتبقى لنا أن ننظر لهذه الظاهرة بعمق وشمولية، لماذا ظهرت؟ وهل ستستمر؟ وهل نستطيع أن نقول أن الجيل الجديد ضعفت لغته ضعفا بالغا لدرجة أنه يحتاج لها حتى يفهم المقال؟ وهل سيأتي اليوم الذي نرى فيه كتبنا ملأى بعلامات ترقيم جديدة؟

ما عندي إجابات لهذه التساؤلات، ماذا عنكم؟