الألوان..(اللون البرتقالي)

تستأثر الألوان بمكانة عالية في حياتنا؛ حتى أن نقص الألوان له تسميات خاصة، فالشيء الباهت ما ينقصه لون، والمرأة الحمصاء من لم تكتحل وتضيف لوجهها ألواناً تجعله مشرق، فكما أن للألوان أسماء، نجد أن لنقصها أسماء أيضاً.

لكن عندي الكثير من الأسئلة عن الألوان: ماهو اللون الأدغم؟ وماذا عن الأدهم؟ لماذا نسمي الخضراوات خضراوات وهي ليست خضراء، بل أن آبائنا عندهم استخدامات للون الأخضر فقدت عندنا فلم نعد نستخدمها؛ وماذا عن البرتقالي؟ متى عرفنا اللون البرتقالي؟ ولماذا لا نجده في المعاجم القديمة كلسان العرب وكتاب العين؟ ولماذا نقول عن الشعر الذي نراه برتقاليا إنه أحمر؟

أقدم لكم بإذن الله في سلسلة من التدوينات الإجابات عن هذه الأسئلة.

(اللون البرتقالي)

اللون البرتقالي هو لون بين الأحمر والأصفر. واسم هذا اللون لم يوجد في اللغات حتى عرف الناس فاكهة البرتقال وهم لم يعرفوا البرتقال إلا في القرن الثالث عشر الميلادي- إذن البرتقال أولا ثم اللون البرتقالي- فهو نسبة للفاكهة كما أن السماوي نسبة للسماء، والكستنائي نسبة للكستناء، والوردي نسبة للورد؛ لهذا السبب لا نجد البرتقال في المعاجم المتقدمة فهم لم يعرفوا البرتقال بعد.

وهذا يقودنا للتسائل عن علاقة البرتقال بدولة البرتغال؛ هل كانوا هم أول من عرف البرتقال؟! حتى نعرف ذلك دعونا نتعرف على قصة فاكهة البرتقال، كيف عرفناها؟ ولماذا اسمها في كثير من اللغات مشتق من دولة البرتغال؟

اقرأ هنا عن هذا الموضوع باللغة الإنجليزية.

عرف الصينيون البرتقال أولا، وكانوا يسمونه (من السانسكريتية) اسما قريبا من النارنج، وقد نقله المسلون من الصين إلى حوض البحر المتوسط، ومن هناك انتقل إلى شمال أفريقيا وإلى الأندلس؛ قطعت هذه الفاكهة مسافة طويلة وخلال رحلتها تغيرت كثيرا؛ فالنارنج الذي أتى به المسلمون من الصين كان أكبر حجما وأحمض طعما وأفتح لونا، وهو ما يزال يزرع في وسط الجزيرة العربية، ويسمونه رنجي، ويصنع منه أهل حائل مشروبا ساخنا. وبالرغم من أنني أنا من وسط الجزيرة العربية لم أعرف الرنجي إلا من زوجة أخي التي عرفته من أمها الحايلية؛ وقد صنعت لنا زوجة أخي مشروب الرنجي الحائلي والذي يشبه كثيرا مشروب الليمون الذي كانت أمي رحمها الله تصنعه لنا بغلي الليمون بكامله لباً وقشوراً بالماء وتضيف له السكر أو العسل كنوع من الدواء للزكام.

على أي حال، كلمة رنجي تشبه كثيراً اسم البرتقال في اللغة الإنجليزية والفرنسية والألمانية وغيرها من اللغات الأوروبية؛ أما كلمة برتقال فهي من اسم دولة البرتغال، لأنهم هم من قدم لنا البرتقال الحلو؛ فنجد لغات مثل الفارسية والجورجية والتركية والبلجيكية واليونانية تستخدم كلمات شبيهة باسم دولة البرتغال مثلما عندنا في العربية؛ فنحن قد أبقينا اسم الرنجي للفاكهة الحامضة والبرتقال للفاكهة الحلوة.

وفي اللغة الإيطالية نجد أيضاً اسم ارانتشا مشتقاً من النارنج في الإيطالية الرسمية لكن عندهم أسماءً مشتقة من البرتقال في بعض لهجاتهم المحلية.

أماعن اللون، ففي معظم اللغات اسم اللون البرتقالي مأخوذ من اسم الفاكهة، إلا في بعض اللغات الاسكندنافية والروسية حيث أنهم يسمون البرتقال اسما يمكن ترجمته إلى (تفاح صيني) ويسمون اللون اسما مأخوذا من الانجليزية مشابها لاسم الفاكهة الحامضة. وفي اللغة الويلزية يسمون الفاكهة اسما قريبا من اورنج الانجليزية واللون مايقابل أحمر مصفر.

وبالطبع لا تستخدم كل اللغات أسماء مشتقة من نارنج والبرتغال؛ ففي بعض اللغات الأفريقية (أداماوا فولفولدي مثلاً) البرتقال والليمون لهما نفس الاسم (ليمو) واللون يدعى أصفر محمر، لكن برتقالهم لونه أخضر على أي حال، فليس بينه وبين اللون أي ارتباط.

وهكذا فاللون أتى بعد معرفتنا بالفاكهة الحلوة فلا نجدهما في المعاجم المتقدمة؛ فهم لم يعرفوه. الغريب أن أمي وأبي رحمهما الله ما كانوا يستخدومون هذه الكلمة فاللون لديهما كان أحمر؛ كنت أستغرب استخدامهما هذا حتى كبرت وتخصصت باللغة وكشفت السر؛ فأهل نجد لم يختلطوا بغيرهم كثيرا فبقي كلامهم على ما هو عليه حتى بدأ التحضر والانفتاح على اللهجات الأخرى.

فقد كان والداي يستخدمان الكلمات التي نجدها في المعاجم المتقدمة ولا يستخدمان ما عُرف قبلهم بكثير في أماكن أخرى من البلاد العربية؛ ويظهر هذا في استخدامهم ﻷلوان أخرى أيضا كاﻷخضر مثلا؛ وهذا هو موضوعنا في المرة القادمة إن شاء الله.

2 thoughts on “الألوان..(اللون البرتقالي)

  1. كلام في غاية الروعة والجمال وفيه كثير من العمق وسلاسة في الطرح وننتظر اللون الأخضر ولعلي أشير إلى كلام أهل نجد والخليج ” قلبه خضر ” ولماذا اختاروا هذا اللون للتعبير عن الرجل وسيع الصدر كما يقولون.

    Liked by 1 person

    1. شكرا على التعليق والكلام الجميل. وشكرا على الاقتراح ما جاء على بالي كلمة قلبه خضر بس بدور عنه بإذن الله.

      Like

Leave a reply to Rukayah Cancel reply